الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة تقديم كتاب "حرية الضمير" "La liberté de conscience" للباحث المؤرخ و المستعرب دومينيك أفون... بقلم عفيف البوني

نشر في  21 جانفي 2022  (14:15)

 بقلم : عفيف البوني

هذا الكتاب الموسوعي في 1171 صفحة عن "حرية الضمير" تلقيته هدية من مؤلفه مؤرخ الأفكار و الصديق و عالم الاسلاميات و المستعرب الفرنسي دومينيك أفون الباحث و المؤلف لأكثر من عشرين كتاب، و هو الآن يشغل أستاذ كرسي "الاسلام السني" و مدير دراسات في :المدرسة العليا للدراسات التطبيقية في العلوم الاجتماعية (الكوليج دي فرانس) بباريس و هو بنفس الوقت مدير "دراسات مجتمعات العالم الاسلامي" اختصاص الاسلام السني/الظواهر الدينية.

هذا الكتاب، أعتبره موسوعة شاملة، بها جمع المؤلف ووثق كل ما هبّ و دبّ عن حقوق و "حريات الانسان" بحسب إنماط التفكير في كل العصور من أقدم زمان الى يومنا هذا، هو كتاب /موسوعة جمعت الأفكار و الأقوال و النصوص و التواريخ ،و الشرائع و القوانين وغيرها حول كل ما له صلة "بحرية الضمير" أو ما كان و ساد من أقوال و أحكام حول اكراه العقول و اغتصابها أو غسلها بأقوال وصفت بأنها مقدسة أو مأثورة و لكن مضامينها سالبة للحرية ( و المؤلف أفون، يميز بدقة بين صواب مصطلح و مفهوم "حرية الضمير" و هو يستعمله، و بين الخلط و الاستعمال الشائع احيانا و عند كثيرين لمصطلح "حرية الوجدان" ( في الترجمة الى لغة الجاحظ، و هي خاطئة عنده و هو المستعرب، و عندي أنا العربي)، و هذه ترجمة شائعة و غير دقيقة عنده و عندي، فالمصطلحان مختلفان في لغة العرب، بينما المصطلح واحد في اللغات الحية لكل الافرنجة، (Liberté de conscience) هما لا يحملان المعنى نفسه بنفس الدقة حرية الضمير عند دومينيك أفون.

مصطلح و مفهوم جديد في ثقافة العصر الحديث

يقول المؤلف أن ذلك المصطلح و المفهوم، قد وقع نحته و بلورته منذ حوالي القرن 17و 18م، في عدة لغات" حية كالفرنسية و الأنجليزية و الألمانية... و في الفكر الحديث بأوروبا الغربية، بل قد حدث ذلك منذ بداية انقراض اللغة اللاتينية من الاستعمال الرسمي، (أي لم يسبق أن تشكل هذا المصطلح و بنفس المفهوم في القوانين و الفلسفات قبل ذلك التاريخ، بكل ثقافات العالم ) و عند المؤلف قد وقع اعطاء مضمون لهذا المصطلح و المفهوم كامكانية للاعتقاد في فكرة "حرية الضمير" أي حرية الاعتقاد، أو حرية تغيير المعتقد، أو حرية عدم الاعتقاد أو حرية الاستقلال بالرأي عن الأديان، بحيث يكون الانسان كفرد حرا في كل هذه الحالات، أو الاعتقادات، بمعنى عدم مشروعية أي كان، اكراه غيره على ما لم يختاره هو بنفسه و بعقله و بكل حرية، من المعتقدات المشتركة، مع الأغلبية أو مع الأقلية، و باختلاف عنهما معا، كشأن خاص، و فردي أو ذاتي.

يرى دومينيك أفون أنّ "حرية الضمير" هي "دستور" في الدساتير الحديثة، أي هي الجوهر من ناحية المضمون، و هو يميز جيدا الفرق بين مفهوم حرية الضمير التي تعني الحرية أو الحق في اختيار أي معتقد أو أي دين، أو ألا تختار ذلك، أو أن تعلن عدم الاعتقاد في كل الأديان، أو أن تغير هذا الدين بغيره، و بحرية، و بين مفهوم الحرية الدينية الذي يقتصر مفهومه على أن تختار دينا من الأديان، من دون أن يعني ذلك امكانية عدم التدخين بكل الاديان...

يقول دومينيك أفون انّ حرية الضمير قد تبلورت و تمفهمت بتميّز مختلف عن الحرية الدينية أو عن التحرر من الأديان، و يقول: دخل هذا المصطلح و المفهوم للاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن منظمة الأمم المتحدة 1948 دون تحفظ من الدول العضوة في تلك السنة، و ان عارضته لاحقا بعض الدول باسم أو بتعلة الخصوصيات الثقافية أو بمنطق رفض الكفر أو الالحاد أو رفض ازدىاء الأديان...

كتاب دومينيك الضخم عن "حرية الضمير" عبارة عن موسوعة شاملة و متخصصة و موّثقة جمعت بين الدراسات الدينية و الحضارية و الفلسفية المقارنة، في سياق تاريخ الأفكار الكبرى، بحسب ما حصل من اختلافات و تطور في الأفكار عبر العصور القديمة و الحديثة، من أقصى شرق الكرة الأرضية الى غربها في القارة الامريكية...

لقد أنجز الباحث عملا شاملا و موثقا و أكاديميا عن تراثات و تواريخ و مرجعيات الحقوق وحريات الكرامة البشرية بحسب ما تغيرت معاييرها بين المجتمعات و الحضارات و العصور والديانات و الفلسفات، حيث جمع كل ما له صلة قبولا أو منعا لحريات الضمير...

و يلخص دومينيك أفون موضوع كتابه بجملة معبرة قائلا: لقد أسست فكرة "حرية الضمير" في العصر الحديث و ابتداء من القرن 16م أحد أهم أركان الحداثة في العالم، و رأيه هذا رأي صواب حيث أدى الاعتراف الرسمي و الشعبي في النطاق العالمي لهذه الحرية الى تجاوز بل تهميش الأفكار الدينية و السياسية و المحافظة التي عطلت تطور الانسانية، و فتحت الأفاق أمام حركة التقدم و التطور لكل البشر بكل العالم باتجاه حماية حريات تصرف كل انسان بعقله و بجسده كما يشاء هو لا كما يفرضه عليه المتسلطون تعسفا باسم الأديان أو السياسات أو الفلسفات المحافظة و اللاعقلانية. و من الجدير بالذكر، أن مقدمة هذا الكتاب، قد كتبها الأستاذ عياض بن عاشور أستاذ القانون و عضو اللجنة الدولية لحقوق الانسان بالأمم المتحدة.